من كتاباته

كلمته في حفل جائزة الملك فيصل العالمية

Address at the King Faisal International Prize · 1991

في عام 1991 (1411هـ) فاز عبد التواب يوسف بجائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي مناصفة. وفي الرياض ألقى هذه الكلمة التي جعلها «عشر نقاط من ندى الفجر»، وحكى فيها كيف رفض أن يكتب بالإنجليزية ليصير عالميًّا، لأن «أطفال أمتي أمانة في عنقي»، وختمها بوصيته للمربين عن إبريق الشاي والأكواب. ترجمها إلى الإنجليزية الدكتور محمد عناني.

بسم الله الرحمن الرحيم

صاحب السمو الملكى الأمير سلطان بن عبد العزيز، نائب خادم الحرمين الشريفين فى رعاية هذا الحفل،

أصحاب السمو والمعالى،

السادة رجال العلم والفكر والأدب،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

كلمتى، سادتى، عشر نقاط من ندى الفجر وليالٍ عشر.. كابدت أحرف الضاد والسهاد خلالها. كان أيسر علىَّ أن أنشق نفحات العطر، أمسك بشعاعات النور، أقبض على الجمر، من صياغتها مجرد قطعة حلوى من صغير أراد بها أن يرد جميل أب ملأ دنياه بحلواه.

القطرة، النقطة الأولى: الجائزة «ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» وقد صبرت نصف قرن، منذ تجاوزت طفولتى، عملًا وجهدًا، أرتد إليها نبعًا آخذ منه كى أحظى بينكم بمكانى اليوم.. شاكرًا وممتنًا للمانحين، والمحكمين، ولأمانة الجائزة.

ثانية النقاط أن الجائزة وافتنى من حيث أشرقت الأرض بنور ربها: من أرض محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم)، عمر وعمرو، خالد وسعد، أبى بكر وأبى ذر، بلال وأسامة، آمنة وأم أيمن، خديجة وعائشة، زينب وفاطمة. وكلهم موضوعات كتبى الفائزة بالجائزة.. وقبل سبع سنين أهديت كتابى «طفولة النبى صلى الله عليه وسلم للأطفال» إلى مكة والمدينة لعلى أرد لهما بعض فضلهما. هيهات، كانتا مع الرياض تدخران لى لحظتى هذه. «إنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون».

وثالثة النقاط، كاتب الأطفال حالم كبير، يعايش ملوكًا وأمراء وملكات وأميرات من بنات خياله، ولكن حلمه لا يتمادى ولا يتناهى إلى لقاء ملك حقيقى، ممثلًا بأخيه الكريم. وأمر يتجاوز الخيال ذاته أن يتسلم كاتب أطفال «الجائزة» برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد، أول ملك فى التاريخ يفخر بأنه «خادم الحرمين الشريفين». والرائع أيضًا أن تحمل الجائزة اسم ملك.

ورابعة النقاط، الملك فيصل رحمه الله وأرضاه، يذكر له التاريخ وقفته المجيدة والشامخة فى حرب رمضان «أكتوبر» فى مواجهة من استباحونا وأرضنا السليبة المقدسة، وما نسينا تطلعه للصلاة فى ثالث الحرمين الشريفين، فى «الأقصى الذى باركنا حوله» ومضى فى رحاب ربه دون أن يحقق أمنيته.. لكن أحفادًا له سيؤدونها، لأنهم سيكونون تكرارًا بإذن الله. بهم يتكرر صلاح الدين الأيوبى، ما دمتم تكرمون أقلام كاتبيهم.

خامسة القطرات، النقاط «العالمية». قبل عشرين عامًا كنت فى زيارة ثقافية إلى إنجلترا وألقيت محاضرة فى اتحاد كتابهم عن أعمالى وكتاباتى، بعدها انتحى بى رئيس جماعة كتاب الأطفال، وهمس قائلًا: «أفكارك وأسلوبك الأدبى بلا مجاملة يرقى إلى العالمية، يحول بينك وبينها أنك تكتب بالعربية لجمهور محدود، اكتب بالإنجليزية تحقق لنفسك «العالمية»».

بعد العودة للوطن تساءلت: لماذا أكتب للأطفال؟ هل لمطمع شخصى؟ هل مهمتى تثقيف الأطفال قراء الإنجليزية؟ كان الجواب: لا بالقطع. أطفال أمتى أمانة فى عنقى ولغة القرآن، وامتشقت قلم حماسى من أجلهم. يوم فزت بجائزة الملك فيصل العالمية أبرقت لصديقى رئيس جماعة كتاب الأطفال فى إنجلترا: «حققت العالمية بإسلامى وعروبتى». وجائزة عالمية للعربية فى أدب الأطفال تشكل سمة حضارية، باللغة العصرية، والتقدم، وتؤكد حسًّا رفيع المستوى، ليس بغريب على صناع الحضارة القديمة فى مصر والجزيرة والعراق والشام، وصناع الحضارة الإسلامية الزاهرة من المدينة ودمشق وبغداد والقاهرة، وأيضًا أمل الإنسانية فى حضارة حقيقية تتجاوز حضارتهم المادية الزائلة. ولم تسبقنا جائزتهم العالمية، ولنذكِّرهم بحكاياتنا الرائعة فى ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والأسد والغواص وسنوحى وجلجامش. سبقناهم بقرون، ومع ذلك ما زال أطفالهم مفتونين بالسندباد وعلاء الدين وعلى بابا.

النقطة السابعة: إننا هنا رموز لعشرات، شخصيًّا عاشرت كامل كيلانى أكثر مما عاشرت جيرانى، وأكثر مما عاشره أولاده. وعشت مع الهراوى والعريان والجهيمان والغول والرصافى كأنهم عائلتى. ويجب أن نتذكر بالحب كل من أغنى بفكره وقلمه أدب الأطفال فى مختلف أقطار وطننا العربى الكبير.. إن هناك اسمين يطوقان عنقى: أمى وأستاذتى الدكتورة سهير القلماوى، وأبى ومعلمى بابا شارو. وهذه الجائزة تضعنى فى مصاف أناس كبار أشرئبُّ لكى أطاولهم قامةً. أصبحت فى قائمة واحدة مع يحيى حقى، شرف ما بعده شرف. والذين أحسنوا بى الظن فى التهنئة قالوها: إلى نوبل محفوظ أو إلى أندرسون. أقول لهم: كل ما أسعى إليه هو أن أُرضى طفلًا على قمة جبل تعز، وآخر فى ريف مصر، وثالثًا فى بادية الشام، ورابعًا فى صحارى السعودية، وخامسًا فى أحراش السودان، وآخرين فى جيبوتى والصومال وموريتانيا.

وكثيرًا ما سُئلت: هل فرحت بهذه الجائزة؟ الجواب: فارق كبير بين الفرحة والسعادة. فى لحظات أحسست باعتزاز جعلنى أرجو أن أحصل على زجاجة «أليس فى بلاد العجائب» وقد كُتب عليها «اشربنى». وإذا مشروبها السحرى يعيد الإنسان لحجمه الحقيقى. وتذكرت جاليفر بين الكبار والأقزام، وتذكرت أدب الأطفال العالمى الذى أقتنى منه فى مكتبتى 20 ألف كتاب، هى ذروة فى الفن والأدب تجعلنى شديد التواضع.

النقطة القطرة رقم عشرة: تتجمع القطرات. يحسوها عصفور صغير يحس أنه ارتوى من زمزم، حوَّم مع حمام الحرم، هبط معه يلتقط الحَبَّ والحُبَّ، حلم بالجائزة تتوج عمله، وعلى صورتها هذه هى بلا تفوق أو تفرد، وتقول لى: لا تاج للإنتاج إلا بمواصلته، دأبًا وعطاءً. ولتكن جائزة الفيصل فيصلًا بين ماضٍ ومستقبل، ولتكن نورًا يضىء الطريق، إلى مآذن أنادى من فوقها: حىَّ على الطفولة.. ومنبر أرتقيه وأقول من فوقه: زمامهم فى أيديكم اليوم وفى أيديهم مستقبلًا، فأحسنوا إليهم... وعمود مسجد أسند ظهرى إليه وأقول: لا تظنوا أنكم وأطفالكم مثل إبريق الشاى الكبير والأكواب تمتلئ به، دعوهم ليكونوا أنفسهم... وهمسة صغيرة أنقلها عن حديث شريف ورد فى كتابى «عمرو فى مصر» بما معناه: أوصيكم بأهلها خيرًا، فإن لكم فيها نسبًا وصهرًا.

شكرًا وامتنانًا لكم بالبسمة الحلوة واللمسة الحانية. نسألك اللهم أن تكلأ أمتنا بعين الرعاية وأن تجمع كلمتها، وتأخذ بيدها وتضع على النور خطاها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.