شنرا: قريةٌ وأبٌ معلّم
في الأول من أكتوبر 1928 وُلد عبد التواب يوسف أحمد يوسف في قرية شنرا، من قرى مركز الفشن، على مرمى بضعة كيلومترات من القرية التي وُلد فيها طه حسين. كانت القرية يومئذ تتبع المنيا وإن كانت أقرب إلى بني سويف، وإلى بني سويف انتسبت فيما بعد. وكان يحلو له أن يروي أنه جاء إلى الدنيا على «فرن» في بيت ريفي لا قطعة أثاث فيه. فأهل أبيه، «العتورة»، فلاحون فقراء، أما أهل أمه، آل «أبو عميرة»، فكانوا يحفظون ذكرى جدٍّ وقف مع عرابي، فطورد في الصحراء بعد دخول الإنجليز وصودرت أرضه.
ولم يكن أبوه، يوسف أحمد يوسف إسماعيل، رجلًا عاديًّا في قرية كتلك. بدأ عريفًا في كتّاب الشيخ عبد السميع، فلفت نبوغه نظر مفتش زائر، فقرر له سعد زغلول، وزير المعارف، مكافأة شهرية صغيرة. ثم حال أبوه بينه وبين الأزهر، فالتحق عام 1914 بمدرسة المعلمين الجديدة في بني سويف ينفق على نفسه، وخرج منها عام 1917 معلمًا في المدارس الإلزامية بالقرى. كان يحمل محبرته الخاصة إلى المدرسة، لأن استعمال نقطة من حبر المدرسة في عُرفه حرام، ويؤم الناس ويخطب فيهم بلغة يفهمها الفلاحون ويحبونها. وكان يقول: «إن التعليم ليس وظيفة ولا مهنة ولا عملًا، إنما هو رسالة وحياة».
لم يكد الوليد يتم أربعين يومًا حتى حملته أمه إلى حيث يعمل أبوه. وأول ما تعيه ذاكرته قرية «ننا» بمركز ببا، حيث كان الأب ناظرًا للمدرسة الإلزامية: طابق علوي من غرفتين، وعريشة عنب، وترعة، وحقول خضراء تمتد حتى الأفق. تركه أبوه يلعب مع التلاميذ سنوات، ولم يُجلسه في الفصل إلا في السادسة، «كأنما أدرك بحسه التربوي أن هذه هي السن المناسبة». وحين رحلت الأسرة عن ننا ودّعها أهل القرية بالدموع.
أما أمه فكانت امرأة من القرية لا تقرأ ولا تكتب، فقدت طفلين قبله، فصار ابنها الوحيد، وأدارت بيتها على قواعد كان الأب يقرؤها لها من كتاب في تربية الأطفال. وسيتساءل الابن بعد عقود: أكانت أمية أمه وراء معركته الطويلة مع الأمية؟ وفي البيت الكبير عمٌّ فلاح لا يعرف القراءة، لكنه يحفظ من «ألف ليلة وليلة» ما يكفي لسحر صبي، وهو الذي حكى له حكاية «الطلمبة» التي كتبها للإذاعة بعد ذلك. وكان الجد مولعًا بالسير الشعبية، حتى إنه ذبح عجلًا سمينًا يوم بلغ الراوي زواج عنترة من عبلة، فكان أهل القرية يمازحون الصبي: «ليس غريبًا أن تحكي القصص وتحبها، فقد كان جدك من قبلك كذلك».
وفي القرية أيضًا عرف الكتاب الأول. كان الأب يحمل إلى البيت كتبًا إنجليزية للأطفال، فلما وصل القاموس احتفل به الصغار كأنه عيد. وظل ذلك القاموس، كما كتب، «بابي الذي أدخل منه إلى فهم الكثير مما أقرأ». هكذا اجتمعت للطفل من البداية ثلاثة ينابيع لن تنضب: أبٌ يرى التعليم رسالة، وقرية تحكي، وكتاب يفتح الأبواب.
«كأنما كانت طفولتي شاسعة كمحيط، واسعة كبحر، دافقة كنهر.»
















