حكايته

من قرية شنرا على ضفاف النيل في بني سويف، إلى ميكروفون الإذاعة، إلى أكثر من ألف كتاب قرأتها أجيال من أطفال العرب: حكاية عبد التواب يوسف كما رواها هو، وكما رواها عنه من عرفوه.

وُلد
1 أكتوبر 1928، قرية شنرا، مركز الفشن، محافظة بني سويف، مصر
رحل
28 سبتمبر 2015، القاهرة
الدراسة
تعليم ابتدائي وثانوي في بني سويف؛ بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة فؤاد الأول (القاهرة) عام 1949، ثم دراسات عليا في العلوم السياسية
الزوجة
نتيلة إبراهيم راشد، «ماما لبنى»، رئيسة تحرير مجلة «سمير» للأطفال والحائزة جائزة الدولة في أدب الأطفال (تزوجا في 1 أكتوبر 1956)
الأبناء
أ.د. لبنى عبد التواب يوسف، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة؛ والسفير هشام يوسف؛ والكاتب عصام يوسف
الكتب
أكثر من 1,000 كتاب، معظمها للأطفال، ونحو 40 كتابًا للكبار
النسخ المطبوعة
نحو 25 مليون نسخة
الإذاعة
60 عامًا (1950 – 2010) وأكثر من 30,000 برنامج
أول عمل إذاعي
19 ديسمبر 1950، في برنامج «بابا شارو»
«خيال الحقل»
1968؛ أكثر من 3 ملايين نسخة
«حياة محمد في عشرين قصة»
1969؛ نحو 7 ملايين نسخة
مؤسس
جمعية ثقافة الأطفال (1968)، ومجلة «الفردوس» (1969)
أبرز الجوائز
جائزة الدولة 1975 و1981، جائزة الملك فيصل العالمية 1991، جائزة الآفاق الجديدة في بولونيا 2000، قائمة شرف IBBY 2000
ترجمات أعماله
الإنجليزية والفارسية والإندونيسية والملايوية والإسبانية
تكريم بعد الرحيل
أول شخصية لمعرض كتاب الطفل في معرض القاهرة الدولي للكتاب (2022)
الفصل 1 1928 – 1935

شنرا: قريةٌ وأبٌ معلّم

في الأول من أكتوبر 1928 وُلد عبد التواب يوسف أحمد يوسف في قرية شنرا، من قرى مركز الفشن، على مرمى بضعة كيلومترات من القرية التي وُلد فيها طه حسين. كانت القرية يومئذ تتبع المنيا وإن كانت أقرب إلى بني سويف، وإلى بني سويف انتسبت فيما بعد. وكان يحلو له أن يروي أنه جاء إلى الدنيا على «فرن» في بيت ريفي لا قطعة أثاث فيه. فأهل أبيه، «العتورة»، فلاحون فقراء، أما أهل أمه، آل «أبو عميرة»، فكانوا يحفظون ذكرى جدٍّ وقف مع عرابي، فطورد في الصحراء بعد دخول الإنجليز وصودرت أرضه.

ولم يكن أبوه، يوسف أحمد يوسف إسماعيل، رجلًا عاديًّا في قرية كتلك. بدأ عريفًا في كتّاب الشيخ عبد السميع، فلفت نبوغه نظر مفتش زائر، فقرر له سعد زغلول، وزير المعارف، مكافأة شهرية صغيرة. ثم حال أبوه بينه وبين الأزهر، فالتحق عام 1914 بمدرسة المعلمين الجديدة في بني سويف ينفق على نفسه، وخرج منها عام 1917 معلمًا في المدارس الإلزامية بالقرى. كان يحمل محبرته الخاصة إلى المدرسة، لأن استعمال نقطة من حبر المدرسة في عُرفه حرام، ويؤم الناس ويخطب فيهم بلغة يفهمها الفلاحون ويحبونها. وكان يقول: «إن التعليم ليس وظيفة ولا مهنة ولا عملًا، إنما هو رسالة وحياة».

لم يكد الوليد يتم أربعين يومًا حتى حملته أمه إلى حيث يعمل أبوه. وأول ما تعيه ذاكرته قرية «ننا» بمركز ببا، حيث كان الأب ناظرًا للمدرسة الإلزامية: طابق علوي من غرفتين، وعريشة عنب، وترعة، وحقول خضراء تمتد حتى الأفق. تركه أبوه يلعب مع التلاميذ سنوات، ولم يُجلسه في الفصل إلا في السادسة، «كأنما أدرك بحسه التربوي أن هذه هي السن المناسبة». وحين رحلت الأسرة عن ننا ودّعها أهل القرية بالدموع.

أما أمه فكانت امرأة من القرية لا تقرأ ولا تكتب، فقدت طفلين قبله، فصار ابنها الوحيد، وأدارت بيتها على قواعد كان الأب يقرؤها لها من كتاب في تربية الأطفال. وسيتساءل الابن بعد عقود: أكانت أمية أمه وراء معركته الطويلة مع الأمية؟ وفي البيت الكبير عمٌّ فلاح لا يعرف القراءة، لكنه يحفظ من «ألف ليلة وليلة» ما يكفي لسحر صبي، وهو الذي حكى له حكاية «الطلمبة» التي كتبها للإذاعة بعد ذلك. وكان الجد مولعًا بالسير الشعبية، حتى إنه ذبح عجلًا سمينًا يوم بلغ الراوي زواج عنترة من عبلة، فكان أهل القرية يمازحون الصبي: «ليس غريبًا أن تحكي القصص وتحبها، فقد كان جدك من قبلك كذلك».

وفي القرية أيضًا عرف الكتاب الأول. كان الأب يحمل إلى البيت كتبًا إنجليزية للأطفال، فلما وصل القاموس احتفل به الصغار كأنه عيد. وظل ذلك القاموس، كما كتب، «بابي الذي أدخل منه إلى فهم الكثير مما أقرأ». هكذا اجتمعت للطفل من البداية ثلاثة ينابيع لن تنضب: أبٌ يرى التعليم رسالة، وقرية تحكي، وكتاب يفتح الأبواب.

«كأنما كانت طفولتي شاسعة كمحيط، واسعة كبحر، دافقة كنهر.»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، سيرته الذاتية
الفصل 2 1935 – 1945

بني سويف: صبيٌّ بين الكتب والملاعب

في منتصف الثلاثينيات انتقلت الأسرة إلى مدينة بني سويف، بعد أن ترك الأب نظارة المدرسة ليعمل معلمًا في معهد الأيتام، حرصًا على تعليم ابنه. سكنوا شارع جسر البحر، ثم قرب ميدان المولد النبوي، وكان جدار غرفة الصبي ملاصقًا لكنيسة يسمع أجراسها، وأكثر رفاقه في كرة القدم من الأقباط. وذات يوم باعه «العم توفيق» قصة الأسبوع بالأجل، فأدرك الصبي أن الرجل مسيحي، ولم يكن ذلك قد خطر له قط، إذ «كنا نعيش في مدينتنا هذه لا نفرق بين مسيحي ومسلم». ومن هذه الذكرى سيكتب بعد سنين، في يسر، كتابه «الهلال والصليب».

ومن شرفة البيت رأى مظاهرات الدستور تملأ الشارع، فبقي المشهد في نفسه حتى صار برامج إذاعية كثيرة عن الدستور. وفي المدرسة، في مدرسة النيل الأهلية الابتدائية ثم في مدرسة الأمير فاروق الثانوية ببني سويف، كان «دائمًا بين الخمسة الأوائل، لكنني لم أكن الأول قط!»، ونال الشهادة الابتدائية وترتيبه السابع والخمسون بين أكثر من 2,500 ناجح في منطقة بني سويف والفيوم والمنيا.

لكن المدرسة الحقيقية كانت القراءة. أحبّ الحكايات «مثل كل أطفال الدنيا»، وظن أن حبه لها كان أكبر. قرأ سلسلة «قصتي» الأسبوعية التي كان يكتبها مدرس اللغة العربية في المدينة مصطفى محمد إبراهيم، و«المكتبة المدرسية» لسعيد العريان، وتبادل مع صديقه فوميل لبيب الكتب المستأجرة من «العم حنا»، وجلس على الرصيف يعيد على أطفال الحي مغامرات أرسين لوبين وشرلوك هولمز. وتردد على مكتبة البلدية حتى سلّمه شيخها المفاتيح. وعلّمه تلميذ أكبر منه يدوّن نقلات الشطرنج درسًا لازمه العمر: أن لكل شيء في الدنيا كتبًا تتحدث عنه.

ولم يكن الصبي دودة كتب فحسب. كان كابتن فريق الشارع، يوقّع خطابات التحدي باسم «عبده يوسف.. كابتن فريق النيل»، ولعب الكرة الشراب «إلى أن تخرجت في الجامعة، وبلا حرج!». وفي كل صيف كانت الأسرة تعود إلى شنرا، تعبر بحر يوسف على المعدية، فيجني القطن ويحرس الزرع ويسمع سيرة أبي زيد الهلالي والزناتي خليفة وشكوى عمه الفلاح من فيضان النيل. هناك تعلّم «قيمة الخضرة، وروعة قطرة الماء»، وهناك عاش الشخوص الذين سيصيرون أبطال «خيال الحقل».

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وهو في الصف الرابع الابتدائي، فغلت الكراسات وشحّ الخبز والسكر والكيروسين، وأملى عليهم مدرس العربية مرثية حزينة عنوانها «الرغيف». وأنهى دراسته الثانوية مع نهاية الحرب، «وكنت ما زلت أرتدي البنطلون القصير». لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة، يحمل في حقيبته مدينة صغيرة متسامحة، وقرية تحكي، ويقينًا بأن الكتب هي الطريق.

«وفي يقيني أن قريتي قد علمتني بقدر ما علمتني المدرسة.. بل أظنها قد تفوقت على المدرسة في تشكيل حياتي وقيمي الريفية التي ظلت معي»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، سيرته الذاتية
عالم القرية الذي حمله من أصياف شنرا إلى «خيال الحقل»
عالم القرية الذي حمله من أصياف شنرا إلى «خيال الحقل»
الفصل 3 1945 – 1950

القاهرة: الجامعة والصحافة وأول الطريق

في صيف 1945 ركب الفتى الحافلة وحده من بني سويف إلى القاهرة في رحلة استغرقت عشر ساعات، فمازحه المحصّل عند الوصول: «كاد والدك يطلب مني إيصالًا باستلامك». التحق بكلية التجارة في جامعة فؤاد الأول، جامعة القاهرة اليوم، وسكن أول أمره غرفة غسيل فوق سطح عمارة من ستة طوابق. تعثّر في عامه الأول ثم استدرك في الصيف، لكنه كان قد عثر على ما هو أهم من المقررات: «خيوط العنكبوت» للمازني، فمضى إلى سور الأزبكية يشتري كتبه كلها. وحين بعث إليه أبوه بثمن أول بدلة، أنفقه كله على الكتب. وفي السنة الثالثة اختار شعبة العلوم السياسية، هاربًا، كما قال، من الأرقام والحسابات.

كانت الصحافة بابه الأول إلى الكتابة. كتب إلى إحسان عبد القدوس يطلب التدرب في «روز اليوسف»، فنُشر له أول موضوع بعنوان «الحب في الجامعة»، واحتفظ به خمسة وستين عامًا. وفي الثامنة عشرة كان يحرر باب «بريد القلوب»، ينصح فتى في مثل سنه بأن يبحث عن الشوكولاتة لا عن الحب، فلما عرف إحسان سنّه ضحك طويلًا، وعلّق الفتى على نفسه: «إني شيخ عجوز في الثامنة عشرة!». وفي صيف 1948 انتقل إلى جريدة «الأساس» اليومية، يقتسم مكتبًا واحدًا مع أنيس منصور، يترجمان قصاصات لندن ويحرران صفحة يومية غير سياسية. وذات مرة أُلقيت في سلة المهملات ترجمةٌ لمناقشة في مجلس العموم أنفق فيها ثلاثة أيام، فخرج من الغرفة باكيًا، وتعلّم أن الكتابة صبر وتواضع قبل أن تكون موهبة.

وفي يونيو 1949 تلقى نتيجته بالتليفون وهو على مكتبه في الجريدة: تخرّج بتقدير «جيد». ثم بدأ الدراسة التمهيدية للماجستير في العلوم السياسية بإشراف الدكتور بطرس غالي. وحين أرادت الجريدة نقله إلى أخبار الحوادث رفض، «لأني أرى نفسي كاتبًا بأكثر مما أنا صحفي»، ومضى يبحث عن طريقه.

ثم جاءت الضربة الأولى. في الثاني من يناير 1950 رحل أبوه، وشُيّع في بني سويف تتقدمه فرقة موسيقى معهد الأيتام التي أحياها بيديه، ودُفن في شنرا. كان الابن قد تجاوز الحادية والعشرين بثلاثة أشهر فقط. اقترح الأعمام أن تبقى الأم والأخوات الثلاث في القرية، فرفض، معلنًا أنه سيتحمل المسؤولية كاملة وحده. نقلهن إلى شقة في القاهرة، ورأى أخواته يتخرجن في الجامعة ويتزوجن. وبعد نحو عشر سنوات كتب عن أبيه فصلًا عنوانه «لحظة العمر»، ثم كتابًا كاملًا عنه، وقال إن أباه أورثه رسالته ومهنته.

«وأراني «قارئًا» بقدر ما أنا كاتب»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، سيرته الذاتية
في شبابه مع رفيقين
في شبابه مع رفيقين
الفصل 4 1950 – 2010

ستون عامًا مع الميكروفون

دعاه زميله في الدراسات العليا، الشاعر صالح جودت، إلى الكتابة للإذاعة، فكتب تمثيلية عن غرس السلام في قلوب الأطفال بعيدًا عن لعب الحرب. أعادها إليه «بابا شارو»، محمد محمود شعبان، بحكم لم ينسه: «هذا عمل عن الأطفال وليس لهم. لكن هذا الكاتب يصلح كاتبًا للأطفال». أعاد كتابتها نحو سبع مرات، حتى أذيعت في 19 ديسمبر 1950، وأدى فيها دورًا صغيرًا «وأنا أرتجف رعبًا»، بينما كانت أمه وأخواته يستمعن إليها في بيت أحد الجيران. وقال له بابا شارو: «لا تدخل الاستوديو ممثلًا بعد اليوم... أتوقع لك مستقبلًا كبيرًا إذا تريثت. هل أنت صبور؟». وبعد عقود ردّ على السؤال علنًا في حفل تكريم أستاذه، حاملًا رسالة من مذيعي الأطفال العرب الذين درّبهم في بغداد: «إننا جميعًا خرجنا من عباءته».

وفي أواخر 1950، وطه حسين وزير للمعارف، امتُحن لوظيفة المشرف على برامج الإذاعة المدرسية، فقال أحد الممتحنين: «حرام أن تعمل موظفًا بالحكومة وأنت على هذه الدرجة من الثقافة». تسلّم عمله في 7 أبريل 1951، وأراد للإذاعة المدرسية أن تكون «جهازًا يبعث بصدمات ذهنية ومثيرات عقلية، وليس وسيلة تعليمية تلقينية». فابتكر مسابقة «أوائل الطلبة» بين المدارس، وسجّلها في كل محافظات مصر، وقدّم الجغرافيا في رحلات الرحالة والتاريخ في صورة دراما، واستعان بشبان من خريجي معهد زكي طليمات صاروا فيما بعد نجومًا. ثم رأس قسم الصحافة والإذاعة والتليفزيون بالوزارة، وكان أحد رؤسائه قد قال يوم تعيينه: «هو ممتاز، لكنه لا يصلح موظفًا».

قضى ستين عامًا مع الإذاعة، من 1950 إلى 2010، وتجاوز عدد برامجه ثلاثين ألف برنامج. كتب للأطفال حكايات الصباح التي قرأها «عمو حسن» و«أبلة فضيلة»، و«غنوة وحدوتة»، وثلاثين حلقة عن صلاح الدين، ومسلسل «خيال الحقل»، و«ساحر أوز»، وأكثر من ألف حلقة من برنامج «تك» العلمي. وكتب للكبار «العالم بين يديك» الفائز بجائزة أحسن برنامج، و«مهرجان القصة العربية» في صوت العرب، وبرنامج الكتب «اقرأ» الذي عاش سبعة عشر عامًا، ودراما «الأسير» الفائزة بجائزة. ومنذ 1980 كتب كل نوفمبر برنامج يوم الطفل يقدّم فيه كاتبًا عالميًّا للأطفال، ومن 1982 إلى 2010 مسابقة صيفية يومية في الكتب يتبارى فيها الصغار من كل المحافظات.

أما التليفزيون فلم يره إلا بعد الثلاثين، وأدرك أن حرفته القائمة على الكلمة لا توافق «ثقافة الصورة». ومع ذلك قضى شهرين في الكويت عام 1978 يشارك في كتابة حلقات «افتح يا سمسم» التي عُرضت منذ 1979، العام الدولي للطفل، ثم آثر أن يعود إلى الكلمة. وفي أول يناير 2010 اعتزل الكتابة للإذاعة، ولم يخرج عن قراره إلا مرة واحدة، في رمضان 2013، ليكتب مسلسلًا عن القيم لمذيعة شابة كفيفة منذ مولدها.

«وهكذا عرفت مصر أكثر وأكبر، فهي ليست القاهرة وحدها»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، سيرته الذاتية
مع مجموعة من التلاميذ
مع مجموعة من التلاميذ
الفصل 5 1954 – 2015

نتيلة… وبيت الطفل العربي

في سنوات الدراسات العليا التقى نتيلة إبراهيم راشد، الطالبة في السنة الأولى بكلية الآداب. وكان يوم ميلاده موعدًا لكل ما هو مهم: خُطبا في الأول من أكتوبر 1954، وتزوجا في الأول من أكتوبر 1956، قبل العدوان الثلاثي بأسابيع. وجاء العام نفسه بمجلة جديدة للأطفال هي «سمير» في دار الهلال، فالتحقت بها نتيلة سكرتيرة للتحرير، ثم صارت مديرة لتحريرها فرئيسة لتحريرها، ورأست منذ 1966 تحرير «كتب الهلال للأطفال». هو الذي اقترح عليها الاسم الذي عرفها به أطفال مصر والعرب: «ماما لبنى»، على اسم ابنتهما. ونالت جائزة الدولة في أدب الأطفال عام 1978.

وحين عُرض عليه أن يرأس تحرير «سندباد»، ثم ملحقًا للأطفال في مجلة «هي»، اعتذر، كي لا ينافس مجلة زوجته. هكذا صار بيتهما بيتًا لأدب الطفل من طرفيه، وسمّته الصحافة «بيت الطفل العربي»، بيتًا تصطف الكتب على جدرانه حتى «لا ترى منه جدارًا». وفيه وُلد الأبناء الثلاثة: لبنى، التي صارت أستاذة للأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة وترجمت عددًا من كتبه، وهشام الذي صار سفيرًا، وعصام الكاتب. وخصّهم بفصل عنوانه «الكل أبنائي»، قال فيه: «لبنى.. نبت وبنت مصرية. هشام.. صناعة مصرية جدًا. عصام.. عصامي: جريء».

وعاشت أمه معه في القاهرة عشرين عامًا بعد رحيل أبيه، محتفظة بعاداتها الريفية «كأنها لم تغادر القرية إلا بالأمس». ولأنها لا تقرأ، خاطبها عبر الإذاعة بالعامية في عيد الأم ذات عام، فأخبرته أخواته أنها بكت، وأُعيدت إذاعة الرسالة خمس مرات في ذلك اليوم. رحلت عام 1971، ودُفنت في القرية التي جاءت منها.

وحين سأله أصدقاء عن زملاء لهم صاروا يملكون العمارات، أجاب: «وأنا بنيت ثلاث: لبنى وهشام وعصام». ثم جاء الأحفاد، فكان لهم عنده «ما هو فوق الحب»، وألهموه أكثر من مائة حكاية إذاعية. وكان يقول إن كاتب الأطفال يرى في كل أطفال الدنيا أبناءه، ويرى في أبنائه، مهما كبروا، كل أطفال الدنيا. وقد سبقته ماما لبنى إلى الرحيل، بعد عمر قضياه معًا في خدمة الطفل العربي.

«لم تكن لي حياة «وحدي». كنت ذائبًا في محيطهم العائلي.»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، سيرته الذاتية
يوم زفافه على نتيلة إبراهيم راشد، الأول من أكتوبر 1956
يوم زفافه على نتيلة إبراهيم راشد، الأول من أكتوبر 1956
مع نتيلة على الشاطئ
مع نتيلة على الشاطئ
مع نتيلة واثنين من أبنائهما على الشاطئ
مع نتيلة واثنين من أبنائهما على الشاطئ
جدًّا في مكتبته بين أحفاده، وإلى جواره ماما لبنى
جدًّا في مكتبته بين أحفاده، وإلى جواره ماما لبنى
الفصل 6 1960 – 1975

قضيةٌ اسمها ثقافة الطفل

ابتلعته الإذاعة نحو عشر سنوات، حتى استفزه زميله القديم أنيس منصور بقوله إن من لا كتب له لا يحق له أن يسمي نفسه كاتبًا. فكان أول كتبه «حسان وإحسان في دار ابن لقمان»، عن شجرة الدر ولويس التاسع، وقد صدر بمساندة الدكتورة سهير القلماوي. «وقد بدأت كتبي في الستينات تظهر في بطء»: ترجمة لمسرحية أندرسن «الحذاء الأحمر» عام 1962، وفي 1964 فصل «لحظة العمر» عن أبيه في كتاب «لماذا نعلّم»، وقد تُرجم ونُشر في نيويورك في العام التالي. وفي الستينيات أيضًا انضم إلى «الجمعية الأدبية المصرية»، حلقة تلتقي كل ثلاثاء على الشطرنج والأدب، ومن أعضائها صلاح عبد الصبور وعز الدين إسماعيل وعبد القادر القط وفاروق خورشيد، وكان يقول إن كلًّا منهم عاش حتى نال جائزة من جوائز الدولة.

لكنه أدرك أن الكاتب وحده لا يصنع ثقافة للطفل، وأن الكاتب «لا يسكن برجًا عاليًا». ففي 1968 أسس «جمعية ثقافة الأطفال» ورأسها، في غرفة فوق سطح دار الأدباء بشارع قصر العيني، بميزانية تكاد لا تُذكر. ومن تلك الغرفة الصغيرة خرج المؤتمر الأول لثقافة الطفل في مصر في مارس 1970، وحلقة بيروت عن الثقافة القومية للطفل العربي في العام نفسه، وقدّم فيها ورقة عن مسرح الأطفال. وفي 1969 كان صاحب فكرة «الفردوس»، أول مجلة إسلامية للأطفال، تصدر ملحقًا لمجلة «منبر الإسلام»، وعمل سكرتيرًا لتحريرها.

ودعته سهير القلماوي ليكون أول أعضاء لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، الذي صار المجلس الأعلى للثقافة، فعقدت اللجنة ندوتها الأولى عام 1971 عن الإذاعة والتليفزيون والطفل. وظل عضوًا فيها ونائبًا لمقررها حتى رحيله عام 2015، يحضر اجتماعاتها حتى في سنواته الأخيرة. وكان عضوًا مؤسسًا في اتحاد كتاب مصر عام 1975، وعضوًا في مجلس إدارته نحو عشرين عامًا، وأمينًا عامًّا له ثلاث سنوات، وعضوًا في مجلس إدارة جمعية حماة اللغة العربية منذ إنشائها.

كانت تلك سنوات تحويل الشغف إلى مؤسسات: جمعية ومجلة ومؤتمر ولجنة، وكلها تقول الشيء نفسه بلغات مختلفة: إن ثقافة الطفل ليست ترفًا ولا هامشًا، بل هي في قلب بناء الأمة. وقد لخّص ذلك في حوار بعد عقود حين قال: «إننا نربيهم لزمان غير زماننا».

«لكنني في يومي هذا شعرت أني أخذت بحق الطفولة من هذه الندوة»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، فصل «تجربتي مع الأدب الشعبي»
في سنوات عمله بالإذاعة والتليفزيون
في سنوات عمله بالإذاعة والتليفزيون
الفصل 7 1968 – 2000

خيال الحقل والفيل الراوي: الكتابان الكبيران

خرجت «خيال الحقل» من أصياف شنرا ومن شكاوى عمه الفلاح، وكتب مسودتها في أسبوعين وهو في معسكرات الأطفال بالإسكندرية. وصدرت في أواخر 1968 باسمها الأول «خيال المآتة» ضمن كتب الهلال للأطفال، برسوم عبد الحليم البرجيني. وقد تردد في نشرها هناك لأن زوجته كانت تحرر تلك السلسلة. أبطالها أقاربه وأصدقاؤه في القرية، وغايتها كما قال أن يجد طفل القرية نفسه في الكتاب، وأن يعرفه طفل المدينة إنسانًا منتجًا مبدعًا. وفي 1970 قررتها وزارة التربية والتعليم على تلاميذ الصف السادس الابتدائي، فطُبع منها أكثر من ثلاثة ملايين نسخة، وصارت مسلسلًا إذاعيًّا من ثلاثين حلقة، وأدرجتها المكتبة الدولية للشباب في ميونخ بين أفضل كتب الأطفال. وكان يعدّها أول رواية عربية مؤلفة بالكامل للأطفال.

أما الكتاب الثاني فوُلد من خوف طويل. ظل نحو عشر سنوات لا يقترب من الموضوع الديني، خشية أن يقع في خطأ عقدي، حتى طلبت منه أبلة فضيلة عملًا إذاعيًّا لذكرى المولد النبوي. وبينما كان يقرأ «حياة محمد» لهيكل توقف عند «عام الفيل» وسأل نفسه: «لماذا لا يحكي الفيل بنفسه عن المولد؟!». ومن هذا السؤال وُلد منهج كامل: شاهدٌ يروي كل قصة، فيل أبرهة، وحمارة حليمة السعدية، وناقة الهجرة، والبراق في ليلة الإسراء.

صدرت «حياة محمد ﷺ في عشرين قصة» في بيروت عام 1969 عن دار الشروق، وقدّم لها وزير الأوقاف عبد العزيز كامل بقوله: «أنت صنعت فتحًا في كتابة السيرة للأطفال». ثم اعتمدتها وزارة التربية والتعليم، فطُبع منها نحو سبعة ملايين نسخة، وفي عام 2000 فازت طبعتها الجديدة برسوم صلاح بيصار بجائزة «الآفاق الجديدة» في معرض بولونيا الدولي لكتب الأطفال. وتُرجمت إلى الإنجليزية مرتين، وإلى الفارسية والإندونيسية.

ومع ذلك رفض أن يُحبس في لقب «الكاتب الإسلامي». فقد كان يكتب، كما قال، «بانتماءات أربعة: عقائدية وإسلامية، ووطنية مصرية، وقومية عربية، وإنسانية». ولذلك وقف «الهلال والصليب» إلى جانب قصص الأنبياء، ووقف الفلاح الصغير في «خيال الحقل» إلى جانب فيل أبرهة. كتابان صارا من علامات أدب الطفل العربي، ويجمعهما سر واحد: أن تُحكى الحكاية من داخل عالم الطفل، لا من فوقه.

«كنت أريد لطفل القرية أن يجد نفسه في عملي، وأن يتعرف طفل المدينة عليه إنسانًا منتجًا ومبدعًا في حقله وزرعه وحياته.»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، سيرته الذاتية
«حياة محمد ﷺ في عشرين قصة» برسوم صلاح بيصار
«حياة محمد ﷺ في عشرين قصة» برسوم صلاح بيصار
الشجرة الضاحكة والخيال والأطفال، من رسوم «خيال الحقل»
الشجرة الضاحكة والخيال والأطفال، من رسوم «خيال الحقل»
الفصل 8 1975 – 2000

القلم المتفرغ وسنوات الجوائز

في عام 1975 اتخذ القرار الذي انتظره طويلًا: أن يتفرغ للكتابة للأطفال. نال إجازة تفرغ من الدولة، ثم قدّم استقالته من الوظيفة الحكومية عام 1985 بعد نحو خمسة وثلاثين عامًا من الخدمة. وصار يومه يومَ فلاح، كما قال لمحاوره في «الأهرام ويكلي»: يستيقظ في الرابعة فجرًا ويكتب حتى التاسعة. وفي التسعينيات وحدها صدر له أكثر من ثلاثمائة كتاب. أما منهجه فتعلّمه من صديق للأسرة أقنع طفلته العنيدة بأكل اللحم حين فرمه في الخضروات: «من يومها وأنا أفرم اللحوم في الخضروات». هكذا ذابت المعلومة في الحكاية، في «اللقاء الفريد» حيث يلتقي ابن الهيثم بنيوتن، وفي «لغتنا الجميلة» و«أصدقاء الماء» وسلسلة «توشكى».

وفي العام نفسه جاءت أولى الجوائز الكبرى: جائزة الدولة في أدب الأطفال عن «من كل بلد عربي حكاية»، مع وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى. قال إنها تعني «أن الدولة تربت على كتفي، وتقول لي: أنت على الطريق الصحيح.. واصل مسيرتك.. لا أكثر ولا أقل!». وفي 1975 أيضًا كرّمته اليونسكو على جهده في محو الأمية، وتسلّم التكريم نيابة عنه سفير مصر في طهران. وتذكّر يومها الأم التي لم تتعلم القراءة وقال: «أمي وراء جائزة عالمية».

وفي 1976 صدر عن دار المعارف «كان أبي معلمًا: قصة نضال وطن ومعلم»، وقد أتمه بعد نحو خمسة وعشرين عامًا من رحيل أبيه، وعدّه أصدقاؤه أجمل كتبه، وترجمته ابنته لبنى إلى الإنجليزية عام 2014. ثم توالت الجوائز: وسام العطاء الذهبي والميدالية الذهبية لاتحاد إذاعات الدول العربية عام 1979، وفي 1981 جائزة الدولة في ثقافة الطفل، وكان أول من نالها، ومعها وسام الجمهورية، ثم جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1990.

وفي 1991 نال جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي، وموضوعها أدب الأطفال، مناصفة مع التونسي علي السقلي. وأشادت حيثياتها بدوره القيادي في نشر الوعي بأدب الطفل وتنظيم مؤتمراته، وبأعمال تمزج الخيال بالواقع وتحوّل حياة القرية والمدينة إلى قصص تحمل القيم. ثم جاءت جائزة القوات المسلحة عن أدب أكتوبر عام 1992 عن رواية «أشبال 6 أكتوبر»، والجائزة الأولى لأحسن كاتب للأطفال عام 1998.

وكان عام 2000 ذروة الاعتراف الدولي: جائزة «الآفاق الجديدة» في بولونيا لـ«حياة محمد في عشرين قصة»، وإدراج سلسلة «توشكى» في قائمة الشرف للمجلس العالمي لكتب الأطفال (IBBY)، وقد تسلّم التكريم في مؤتمر المجلس بقرطاجنة في كولومبيا. ومع ذلك ظل يقول إن كل كتاب جديد يمنحه فرحة الكتاب الأول.

«تعني أن الدولة تربت على كتفي، وتقول لي: أنت على الطريق الصحيح.. واصل مسيرتك.. لا أكثر ولا أقل!»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، عن جائزة الدولة
صورة شخصية
صورة شخصية
الطبعة الإنجليزية من «كان أبي معلمًا» بترجمة لبنى يوسف، 2014
الطبعة الإنجليزية من «كان أبي معلمًا» بترجمة لبنى يوسف، 2014
في حفل جائزة الملك فيصل العالمية، 1991
في حفل جائزة الملك فيصل العالمية، 1991
الفصل 9 1960 – 2010

نوافذ على العالم

كانت أولى رحلاته خارج مصر إلى الخرطوم، في دورة لليونسكو عن الإذاعة والتنمية، ثم زار إنجلترا عام 1970 ضمن وفد مصري يدرس ثقافة الطفل في المكتبات والمدارس ومحلات الكتب، وعرف معرض فرانكفورت منذ 1978. وفي الثمانينيات عمل خبيرًا لليونسكو في قطر لتليفزيون الطفل ومسرحه، ثم لتكنولوجيا التعليم، ودرّب العاملين في برامج الأطفال العربية في بغداد موفدًا من اتحاد إذاعات الدول العربية. وكان مستشارًا لمكتب التربية العربي لدول الخليج، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ودار ثقافة الأطفال في بغداد، ومركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية.

قام بنحو مائتي رحلة إلى الخارج، منها أكثر من مائة في الوطن العربي، وزار الولايات المتحدة نحو عشر مرات وكندا ثلاثًا، وحاضر في أوهايو عام 1985، وحمل أدب الطفل العربي إلى الصين والفلبين وأغلب أوروبا. وفي 1983 زار مركز أدب الأطفال بمكتبة الكونجرس، فقال له المختصون هناك، كما روى، إنه يعرف عن كتب الأطفال أكثر من أي أحد قابلوه. وفي 2001 كان واحدًا من أربعة عشر كاتبًا اختارهم مهرجان برلين الدولي للأدب ليحكوا للأطفال الألمان. وبدءًا من 2007 رشّحته مكتبة الإسكندرية ثلاث سنوات متتالية لجائزة أستريد ليندجرين التذكارية.

وكما حمل حكاياته إلى العالم، حمل العالم إلى الطفل العربي. قدّم أعمال ستة عشر من الفائزين بجائزة هانز كريستيان أندرسن، منهم أستريد ليندجرين وإريش كستنر، وأصدر سلسلة «نوبل الصغيرة»، وأشرف على خمسة وأربعين عنوانًا من «الروائع» للهيئة المصرية العامة للكتاب. وحين رحلت ليندجرين رثاها في «الأهرام». وترجم حكاية أندرسن عن الاحتفال بالمولد النبوي في القسطنطينية، فأدرجها المجلس العالمي لكتب الأطفال في قائمة الشرف للترجمة عام 2012. أما كتبه هو فتُرجمت إلى الإنجليزية والفارسية والإندونيسية والملايوية والإسبانية.

وفي بيته صنع نافذة أخرى: مكتبة خاصة لكتب الأطفال عدّها زواره من المجلس العالمي لكتب الأطفال ومن مكتبة الكونجرس من أكبر مكتبات الأطفال الخاصة في العالم، واستقبل فيها وفودًا من الصين وغيرها. وحين مُنع ذات يوم عام 1985 من دخول قسم الأطفال في مكتبة الروضة لأنه من الكبار، وُلدت فكرة مركز بحوث أدب الأطفال بالروضة، وقد رأس لجنته العلمية بدار الكتب خمس سنوات منذ عام 2000. كان الكتاب عنده، قبل الإنترنت وبعده، «سيد أدوات المعرفة».

«الترجمة أمانة..»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، سيرته الذاتية
بين أبراج حجرية قديمة في إحدى رحلاته
بين أبراج حجرية قديمة في إحدى رحلاته
رفوف من مكتبته
رفوف من مكتبته
الفصل 10 2000 – اليوم

الرحيل، وما بقي

لم يتوقف القلم في الثمانينيات من عمره: «جدو والكمبيوتر» عام 2007، و«أدب الطفل المسلم» عام 2011، و«عظيمة يا مصر» عام 2012، و«حكايات مصري في أمريكا». وفي 2006 أصدرت وزارة الثقافة كتاب «عبد التواب يوسف: نصف قرن من الإبداع في أدب الطفل»، وفي 2009 صدرت الدراسة الببليوجرافية للدكتورة مها غانم عن أدبه، وقد أحصت له أكثر من ألف عنوان. وظل يعود إلى سيرته «قلبي وعقلي وقلمي»، التي صدرت طبعتها الأولى في بغداد عام 1990، ثم في طبعة موسّعة في الرياض عام 2014، وكتب في مقدمتها: «ليس بالضرورة أن أكون نجمًا ساطعًا لأكتب سيرتي الذاتية».

ويوم الاثنين 28 سبتمبر 2015 رحل عبد التواب يوسف في القاهرة في هدوء، قبل ثلاثة أيام من عيد ميلاده السابع والثمانين. ونشرت «الأهرام» نعيه يوم الأول من أكتوبر، يوم ميلاده، ووصفته بأنه «عميد أدب الأطفال في مصر والوطن العربي». أما هو فكان يرفض لقب «رائد أدب الأطفال»، ويصرّ على أن الرائد هو كامل كيلاني.

وتوالى الوفاء بعد رحيله. في 30 يناير 2016 أقامت لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، اللجنة التي كان أول أعضائها، حفلًا لتأبينه والاحتفاء بحياته. وفي 15 يوليو 2017 كرّمته جامعة القاهرة، جامعته الأولى، بحضور وزير الثقافة حلمي النمنم ورئيس الجامعة جابر نصار، مع صدور كتاب «في حب عبد التواب يوسف» بالعربية والإنجليزية. وفي 2018 احتفلت جامعة بني سويف بمرور تسعين عامًا على مولده، وفي نوفمبر 2019 أقيمت احتفالية «تكريم الحاضر الغائب رائد ثقافة الطفل». ووضع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري لافتة «عاش هنا» على بيته، كما وضع لافتة لماما لبنى.

وفي 2021 اختير أول شخصية لمعرض كتاب الطفل في تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب، وفي دورته الثالثة والخمسين عام 2022 أقيمت ندوات عن كتاباته ومسرحه وعنه مترجِمًا ومترجَمًا، ونُظمت مسابقة باسمه في الحكي والرسم والتلخيص شارك فيها أطفال من تسع عشرة محافظة، وصدرت سيرته الكاملة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وعاد المعرض يحتفي به في جناح الطفل عام 2025.

وبقيت المكتبة. نقلتها أسرته وفريق من الشباب الباحثين وصنّفوها منذ 2016 لتكون نواة «مركز عبد التواب يوسف لثقافة الطفل»، واتخذ منها فريق من جامعة القاهرة نموذجًا لمشروع «المكتبة الإلكترونية لثقافة الطفل العربي للتنمية المستدامة»، فتبيّن للباحثين أن قصصه تتناول أهداف الأمم المتحدة السبعة عشر للتنمية المستدامة كلها، قبل أن تتبناها المنظمة بعقود. هكذا يبقى الرجل الذي قال عن نفسه إنه «واحد من الناس»: في رفوف مكتبة، وفي ذاكرة إذاعة، وفي ملايين الأطفال الذين كبروا على حكاياته.

«إني واحدٌ من الناس، وهذا يكفي..»

— «قلبي وعقلي وقلمي»، مقدمة السيرة
ملصق معرض القاهرة الدولي للكتاب 2022: شخصية معرض الطفل
ملصق معرض القاهرة الدولي للكتاب 2022: شخصية معرض الطفل
غلاف كتاب «في حب عبد التواب يوسف»، سلسلة الرواد بجامعة القاهرة
غلاف كتاب «في حب عبد التواب يوسف»، سلسلة الرواد بجامعة القاهرة