من كتاباته

كان أبي معلمًا

My Father Was a Teacher · 1976

سيرة قصيرة كتبها عبد التواب يوسف عن أبيه الشيخ يوسف أحمد يوسف، معلم القرية وبني سويف، ونشرها مسلسلة في مجلة «الرائد» للمعلمين قبل أن تصدر في كتاب عن دار المعارف عام 1976. هذا مطلع الفصل الأول، «لحظة في العمر»، وفيه يرد طبيب شهير في القصر العيني أجر الكشف إلى معلمه القديم. وقد ترجمتها لبنى يوسف إلى الإنجليزية، وصدرت الترجمة عام 2014 بمراجعة محمد عناني.

كان أبى معلمًا..

رأيته يقطع رحلة العمر، يحمل (الطباشير) فى الصباح، والقلم الأحمر فى المساء.. وكم من مرة شاهدته يلهث مع مشرق الشمس ليلحق بالحصة الأولى، ويعود يلهث مع غروبها وهو يئن تحت ثقل الكراسات التى يحملها ليصححها على نور مصباح شاحب تتراقص ذبالته مع نسمات الليل.. ومن أجل ذلك راحت زجاجات نظاراته تزداد سمكًا مع الأيام والليالى..

[…]

وكثيرًا ما سألت أبى فى استنكار:

- هل يعطونك ما يقابل هذا الجهد الجهيد؟

وكان رحمه الله يبتسم ويقول فى هدوء:

- لا تتوقع من الحياة أن تعطيك مقابل ما تبذل.. ثم إننى لست بقالًا ولا عطارًا فيمكننى تقدير ثمن بضاعتى.. ولكننى على ثقة من أن لجهدى ثمنًا غير منظور لا أعرف كيف يمكن أن يؤدَّى لى، بل لا أنتظر أن يؤدَّى.. إنى أومن أن التعليم ليس وظيفة، ولا مهنة، ولا عملًا.. إنما هو «رسالة» و«حياة»..

وكنت أبتسم، فقد حسبت أنه يقول هذا إقناعًا لنفسه وترضية لها، ما دام قد كُتب عليه أن يصير معلمًا..

[…]

وعاد والدى يبسط كفه وفيه الورقة، والجنيهان.. وقال:

- هذا المبلغ ليس جنيهين إنما هو أكبر من مليونى جنيه.. إن النور الذى تسرب من عينى مع «الطباشير» والقلم الأحمر، قد عاد اليوم.. إن عافيتى التى انسابت مع صوتى فى حجرات الدرس قد رُدَّت إلىَّ.. وأنت يا عزيزى الطبيب الذى فعلت ذلك.. لقد أحسست أنك وضعتنى فوق قمة عالية، أعلى من قمة المجد..