من كتاباته

ساعة د. زويل

Dr Zewail’s Watch · 2007

ثماني صفحات كتبها عبد التواب يوسف بخط يده عام 2007، ولم تُنشر من قبل. حفيد يطلب في عيد ميلاده «ساعة د. زويل» التي تقيس الزمن بالفيمتوثانية، فيعود الجد بذاكرته إلى رحلته الأولى خارج مصر عام 1970، إلى الساعات المائية المصرية في متحف لندني وإلى ساعة محطة جرينتش. الجد هنا يحمل الكثير من الكاتب نفسه، فهو «مستر تواب، المصري» الذي درس في مدرسة النيل الابتدائية ببني سويف. النص العربي تفريغ للمخطوط، والترجمة الإنجليزية أُعدّت لهذا الموقع.

رغب الجد فى أن يهدى حفيده - فى عيد ميلاده - شيئًا جديدًا، فقد شبَّ الحفيد يوسف عن الطوق، ولم يعد راغبًا فى لعبة، أو ثوب، لذلك سأله الجد:

- ماذا تريد؟

ابتسم يوسف، وقال فى مكر:

- أريد ساعة..

- فى يدك ساعة ثمينة وأنيقة

- أعرف هذا

- أى ساعة تريد إذن؟

- ساعة د. زويل

- ماذا؟

- لقد سمعتنى يا جدى..

- أين سمعت بها أو رأيتها؟

- ما سمعت بها ولا رأيتها..

- أتقصد الساعة التى فى معصمه؟ وتستحوذها؟

- لا بالطبع.. لا سبيل لنا إليها

- أى ساعة هذه التى تتحدث عنها؟

- تلك التى ابتكرها هو وفريق العمل، والتى فيما قيل فاز عليها بجائزة نوبل..

- لم أفهمك بعد

- الساعة التى تقيس الوقت وفق الفيمتوثانية

فتح الجد عينيه، وفمه، وهتف: ماذا؟

سكت يوسف قليلًا ثم أطلق ضحكة خفيفة وقال:

- إنك يا جدى سألتنى عما أريده هدية لعيد ميلادى، وها أنا قد أجبتك.. حقق لى ما أريد

- ما تريده شىء لم ولن يتحقق..

- هل يُعقل أنه يحصل على جائزة نوبل على شىء خرافى، لم ولن يتحقق؟!

- إنك يا يوسف تقلب الأمور رأسًا على عقب

- كيف يا جدى..

- الناس تتخيل أشياء كثيرة يرونها خرافية: على بابا ينادى الجبل: افتح يا سمسم، وإذا بالباب ينفتح، وتُفتح الخزائن الآن ببصمة الصوت.. يتصور البعض وسيلة للتحليق فى الهواء مثل الطيور، ونقدر على صنع الطائرة، ونتمنى أن نسبح تحت الماء، ونجد وسيلة للغوص ونبنى غواصة، وأنت تريد أن تضع فى يدك ساعة تشير عقاربها للوقت وفق الفيمتوثانية.. كيف؟

— 2 —

بعد أن غادر يوسف جده، راح هذا يضحك، ويحدث نفسه بلا صوت..

- يا له من جيل.. ويا له من خيال.. كيف «يتصور» هذا «الولد» أن من الممكن أن توجد مثل هذه الساعة؟

وعاد بذاكرته إلى يوم زار ثلاثة متاحف متجاورة فى لندن، منذ أكثر من ثلث القرن.. تُرى، أما زالت قائمة هذه المتاحف: التاريخى، والجغرافى، والعلمى، قرب حدائق كنزنجتون كما يذكر؟!.. لقد رأى فى واحد منها غرفة تضم نماذج من الساعات المائية المصرية القديمة، وأذهله ما قاله المسؤول عن هذه الغرفة، بعد أن رحَّب به، لأنه حفيد هؤلاء الذين أبدعوا هذا الأسلوب فى قياس الوقت..

- تستطيع ونحن فى الثلث الأخير من القرن العشرين - كنا فى عام 1970 - أن تضبط ساعة يدك على هذه الساعات..

وأمسك الرجل بيسراه، وتطلع لساعة يده وسأله:

- هل هى مصرية الصنع؟

ساعتها، طأطأ رأسه، وهو يجيب:

- بل سويسرية..

وتوقع أن يقول الرجل: أليس عيبًا عليكم هذا؟ لم يقلها الرجل، وإنما راح يضاهى الوقت ما بين واحدة من الساعات المائية وتلك التى فى معصمه..

المفاجأة أن الساعة المائية كانت مضبوطة.. وتسير بانتظام، وساعتها تمنى لو التُقطت له صورة تظهر فيها ساعته إلى جوار ساعة جده العظيم.. لكنه لم يفته أن يستأذن من أمين الغرفة أن يسمح له بقبلة صغيرة يطبعها عليها.. قال له..

- لك.. شريطة ألا تلمسها شفتاك..

وقهقه الرجل، وهو يرى الحفيد يضع قبلة «شفافية»، محافظًا على الشرط، وعلى وعده بتنفيذه..

كان الرجل - كما يذكر الجد - شديد الحفاوة به.. ورغم ما كان يتردد عن البرود «الإنجليزى» لم يكتف الرجل بأن شدَّ على يديه فى حرارة، بل لقد احتواه بين ذراعيه، وقبَّله فى جبينه، وهو يقول..

- صدقنى، هذه أول مرة ألتقى بمصرى.. ما أروع أن أحتضن حفيدًا للفراعنة!

يومها غادره وهو يحاول أن يمسك دموعه!

— 3 —

وتذكر الجد حدثًا آخر، وقع له فى نفس الرحلة.. قيل له يومها:

- برنامجك يتضمن زيارة إلى جرينتش..

تهلل، وهتف..

- هذا شىء رائع..

- ستحظى هناك بوقفة لا أظنك تخيلت قبلًا أنك سوف تحظى بها..

- أى وقفة هذه؟

- إنك تعرف بالطبع أهمية جرينتش عالميًا؟

- منذ كنت فى السنة الأولى بمدرسة النيل الابتدائية ببنى سويف.. عندها تتحدد خطوط الطول: شرقًا وغربًا، كما يحدد خط الاستواء: الشمال والجنوب..

- فى جرينتش ستقف وقدم لك فى شرق الكرة الأرضية، والأخرى فى غربها..

أبدى دهشة شديدة.. أضافوا ليشرحوا له الفكرة

- هناك قطعة حديد مثبتة على الأرض، تحدد شرق الكرة الأرضية من غربها.. ستقف من فوقها وقد تباعدت ساقاك..

سألت: وتُلتقط لى صورة؟

- نعم..

غمرته الفرحة.. شرحوا له كيف سيستقل القطار وحده إلى جرينتش، وكيف سيعود.. وكان الأمر مقلقًا له إذ كانت هذه أول رحلة له يخرج فيها من مصر.. وقد أدهشه يومها أنه غادرها ليجدها فى انتظاره: فى المتحف البريطانى، وفى الميدان الذى تقف فيه المسلة المصرية التى يسمونها إبرة كليوباترا، وفى قاعة الساعات المائية فى المتحف..

كانت رحلة القطار جميلة، قرأ خلالها كتيبًا صغيرًا عن جرينتش.. وما إن نزل إلى المحطة حتى وجد فى انتظاره من عرفه من ملامحه..

- مستر تواب، المصرى

- نعم

- جرينتش ترحب بك

وشدَّت على يده، بحرارة.. رمقها بنظرة سريعة، وإذا بساعة المحطة من خلفها، وتسمرت عيناه عليها، فالتفتت للوراء تريد أن تعرف فيمَ يحدق..

قال ضاحكًا ساخرًا: أول ما يقع عليه بصرى ساعة محطة جرينتش، متوقفة لا تعمل.. والعالم يضبط بتوقيتها!

تطلعت إلى عقربيها، وانفجرت ضاحكة..

- سأنقل هذا إلى صحيفتنا المحلية، وعندما ننشر هذا سأوافيك بها

وقد وفت.. واحتفظ بالصحيفة وصورته بها!

— 4 —

انصرف يوسف، وغادر جده - الذى قرر أن يحكى له ما بقى فى ذاكرته من رحلته القديمة إلى إنجلترا - بينما كان يوسف يضحك على فكرة أن يحصل فى عيد ميلاده على ساعة تقيس الوقت وفق الفيمتوثانية، وتساءل..

- هل من الممكن أن أبعث إليه أسأله إن كان هناك شىء من هذا القبيل؟ وهل خطرت فى باله مثل هذه الفكرة؟

أعرف أنه سيضحك كثيرًا.. ليس للفكرة، بل يضحك من جهلى، أنا حفيد أول من عرفوا قيمة الوقت، وابتكروا وسائل قياسه: المزولة، والساعة الرملية، والساعة المائية، وهم الذين عرفوا من خلال قراءة السماء ونجومها أن السنة 365 يومًا.. وقسموها على 12 شهرًا، كل شهر 30 يومًا.. واعتبروا الأيام الخمسة ما سموه «نسيئًا» أى شيئًا منسيًا.. أو بلا تاريخ إلى أن يحل العام الجديد..

وتساءل يوسف:

- تُرى ما هى هدية عيد ميلادى التى سوف يأتى لى بها جدى؟

قد يفكر فى «كرونومتر» أو شىء من هذا القبيل..

ونسى يوسف الأمر تمامًا، إلى أن حلَّ يوم عيد ميلاده، وقدم الجد ليحتفل به مع الأسرة..

وتذكر يوسف ساعتها ما جرى بينه وبين جده، وكان متشوقًا إلى هديته بالذات.. وعندما بدأت ساعة تلقيها، كان الجميع يهتفون به أن يبادر إلى فتح علبهم، وكان آخرها ما حمل جده، واستبقاه لكى يكون آخر ما يتسلم يوسف..

ومع كل هدية تُفتح كانت هناك تهليلات وصيحات.. وكثيرًا ما حظى صاحبها بالتصفيق على حسن الاختيار.

وأخيرًا حمل الجد الصندوق الكبير الذى تلقاه يوسف بين ذراعيه، والجد يقول..

- هذا هو ما طلبته.. وقد تعبت كثيرًا لكى أحقق لك ما تريده، بالتمام والكمال..

ارتفعت الأصوات تسأل: ماذا طلب؟

ردَّ الجد: ساعة د. زويل..

- هل أتيته بها؟

- وهل أستطيع رفض شىء يطلبه يوسف؟

وامتدت الأيدى تفك الأوراق الملونة التى تغلف الصندوق وتساعد يوسف على فتحه..

كان خاليًا تمامًا..

- لقد طلبت شيئًا خرافيًا.. وهميًا.. ونحن فى عصر العلم!

وانفجر الجميع ضاحكين