من كتاباته

البقرة الزاجل

The Pigeon-Cow · 1991

حكاية شعبية نجدية سمعها عبد التواب يوسف في المملكة العربية السعودية من والد صديقه الدكتور زيد الحسين، وصدرت بعنوان «البقرة الزاجل: قصة من السعودية» عام 1991، عام فوزه بجائزة الملك فيصل. ويروي المؤلف أنه حين حكاها للأطفال في برلين صفّق الحاضرون وضحكوا. وقد ترجمتها لبنى يوسف إلى الإنجليزية، أما النص العربي المنشور هنا فترجمة عن ترجمتها أُعدّت لهذا الموقع، لأن الأصل العربي ليس بين أيدينا.

الإهداء: إلى الدكتور زيد عبد المحسن الحسين، نائب رئيس منظمة حقوق الإنسان، والمدير العام الأسبق لمركز الملك فيصل للبحوث، بالمملكة العربية السعودية.

دعاني الدكتور زيد الحسين للقاء والده الفاضل، فحكى لي هذه الحكاية الطيبة المعروفة في نجد، وقد جرت أحداثها في بلدة سدير الصغيرة. وكتبتُ هذا الكتاب تكريمًا لذكرى الجد، الشيخ زيد، الذي يحمل حفيده اسمه.

مقدمة قصيرة

معرفة النفس أمر مهم. علينا أن نعرف من نحن وما الذي نقدر عليه. وحين نقول إننا «عرب»، علينا أن نعرف ما يعنيه ذلك، وكيف ينطبق هذا الوصف علينا. فحين نقول إن «العربي كريم»، فهذا يعني أننا أهل عطاء، وأننا ندرك أن هناك فرقًا كبيرًا بين الكرم والإسراف. وحين نقول إن العربي «ذكي»، فعلينا أن نكون جديرين بهذه الصفة.

وهذه الحكاية جديرة بأن تُروى بوصفها جزءًا من تراثنا. وحين رويتها للأطفال في برلين، عاصمة ألمانيا، صفَّق الحاضرون وضحكوا، وأدركوا كيف يجمع العرب بين الذكاء والكرم.

عبد التواب يوسف

(1)

قبل أن يُكتشف النفط في بلاد العرب، كان يعيش هناك الشيخ زيد. وكان ميسور الحال نسبيًّا، يملك قطعة من الأرض الخصبة يمنحها وقته وجهده كله، فيزرعها قمحًا في موسم المطر. وكل يوم، بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، كان الشيخ زيد يأخذ بقرته وغنمه إلى الحقل، وكان الحقل بقعة خضراء جميلة وسط رمال الصحراء الصفراء. وكان يقضي في الحقل يومه كله، فلا يعود إلى بيته قبل غروب الشمس؛ ولذلك كان يصلي الظهر والعصر دائمًا في الحقل. وأحيانًا كان يمر به بعض أقاربه وأصدقائه وقت الصلاة ليصلوا معه جماعة، ويقضوا معه بعض الوقت يؤنسونه ويأنسون به، فقد كان حلو الحديث، طيب المعشر.

وقد اعتاد الشيخ زيد أن يحلَّ وثاق البقرة قبل الظهر، ويتركها تعود إلى البيت وحدها، فتُحلب ويُنتفع بلبنها، فقد كان أهل البيت يعتمدون على لبنها في طعامهم وشرابهم. وكان من السهل على البقرة أن تذهب إلى البيت وتعود إلى الحقل وحدها، وكانت الأم تستقبلها في البيت بترحاب. ولأن البقرة كانت ترعى طوال الصباح وتأكل العشب الطري والبرسيم، كان لبنها وفيرًا.

وكان الأمان سائدًا في ذلك الزمان؛ فلا أحد يعترض طريق البقرة أو يفكر في أخذها. ولهذا الأمان سببان: أولهما أن الناس كانوا مسلمين أتقياء أمناء، لا يمدون أيديهم إلى ما ليس لهم. والثاني أن من تسوِّل له نفسه أخذ البقرة يعلم أن عقابه واقع في الدنيا والآخرة. ولهذا كان الشيخ زيد يشعر بالأمان، ولا يقلق على بقرته، ولا على حقله وقمحه وبيته.

(2)

بدأت حكايتنا في صباح يوم جميل، إذ زار الشيخَ زيدًا في حقله بعضُ رجال قبيلته، ليستمتعوا بصحبته ويقضوا معه بعض الوقت. ففرح الشيخ زيد بهم ورحَّب بهم أحرَّ ترحيب. وكانوا في سفر، وكانت خطتهم أن يواصلوا رحلتهم بعد صلاة الظهر. وبعد أن قضوا معه بعض الوقت شكروه وهمُّوا بالانصراف ليكملوا طريقهم، لكنه أبى أن يتركهم يمضون، وأصرَّ على أن يشربوا القهوة عنده. وفهم الضيوف أن هذا يعني أن يقضوا اليوم معه حتى الغروب، ثم يذهبوا معه إلى بيته، ويستأنفوا سفرهم في المساء، وكان ذلك أفضل لهم ليتقوا حرَّ الصحراء.

وقرر الضيوف أن يقبلوا دعوته بشرط واحد: ألا يسبقهم إلى البيت، وألا يرسل رسولًا إلى زوجته؛ فهم لا يريدون أن تتكلف عناء إعداد طعام لهم، ولا أن تتحمل نفقات كثيرة. أي إن الدعوة ليست إلى عشاء، بل إلى القهوة، وكفى.

وتبادلوا جميعًا حديثًا طيبًا، وساعدوا الشيخ في عمله في الحقل، وصلَّوا العصر معًا. وقبل الغروب مضوا إلى بيت الشيخ، فاستُقبلوا بحفاوة، وشربوا القهوة، وتهيأوا للانصراف.

(3)

مفاجأة!

كانت هناك وليمة كبيرة تُعدُّ لهم: خروف سمين مشوي، وأرز، وخبز من خبز البيت، وفاكهة، وطعام يكفي الضيوف الكثيرين. ودهش الجميع؛ فالشيخ لم يفارقهم دقيقة واحدة، ولم يرسل أحدًا إلى البيت لينبه أهله إلى إعداد الطعام وذبح الخروف وشيِّه. ولأن المفاجأة كانت كبيرة، أصروا على أن يكشف لهم الشيخ السر: فهو لم يفارقهم ولم يرسل أحدًا، فكيف عرف أهله أن عنده ضيوفًا ينبغي إكرامهم والاحتفاء بهم؟ وأصروا على ألا يمسوا الطعام حتى يخبرهم بما حدث.

فحكى لهم كيف عرف أهل بيته أن عنده ضيوفًا.

والسؤال لك أنت: هل تستطيع أن تخمِّن ماذا فعل؟

(4)

أمام إصرار الضيوف على أن يكشف لهم سرَّ معرفة أهله بقدومهم وهو في الحقل، لم يجد الشيخ زيد بدًّا من أن يعترف بما فعل.

قبل صلاة الظهر، كان الشيخ زيد يطلق البقرة لتعود إلى البيت فتُحلب. وبينما هو يفعل ذلك خطرت له فكرة طيبة: كتب رسالة قصيرة تقول: «عندي عشرة ضيوف، أرجو أن تعدوا لهم عشاءً: أرزًا وخروفًا مشويًّا».

وربط الرسالة في ذيل البقرة، وأطلقها تعود إلى البيت. وحين بدأت زوجته تحلب البقرة رأت الرسالة، فنادت أحد صبيان القبيلة، وطلبت منه أن يفكَّها ويقرأها لها. وهكذا عرفت بأمر الضيوف، فشرعت على الفور في إعداد الطعام للضيوف العشرة. وبعد أن عرف الضيوف السر وسُرّوا بسماع الحكاية، أقبلوا على الطعام، وراحوا يروون الحكاية لكل من لقوه في كل مكان. وسمَّوا بقرة الشيخ زيد «البقرة الزاجل»، لأنها تشبه الحمام الزاجل الذي يحمل الرسائل؛ فقد حملت الرسالة من الحقل إلى البيت. وشكروا بحرارة السيدة الكريمة اليقظة التي انتبهت إلى الرسالة، وشكروا الصبي الذي قرأها، وعبَّروا عن امتنانهم لأهل البيت جميعًا على كرمهم وحفاوتهم بضيوفهم.