من كتاباته

الجرار التذكار

The Tractor · 2001

من سلسلة «غزوات القرن الحادي والعشرين» التي أصدرتها دار المعارف عام 2001، وفيها يقلب عبد التواب يوسف معنى «الغزو»: فالغزو الحقيقي هو غزو العطش والجوع والجهل. ضابط شاب يكفل عمه الفلاح عبد العظيم في أقساط جرار، فيحوِّل العم «تل الرمل» على حافة الصحراء إلى «التل الأخضر»، ويتعلم في شيخوخته لغة الكمبيوتر. النص الإنجليزي من النسخة التي أُعدَّت لموقع المؤلف القديم، والنص العربي هنا ترجمة عنها أُعدَّت لهذا الموقع.

أنا ضابط، تخرجت في أكاديمية الشرطة.

أحب عملي. واجبي أن أدافع عن وطني، مصر. ومهمتي ليست سهلة، فأنا أدرِّب الجنود على القيام بمهام مختلفة.

في اليوم السابق لعيد ميلاد ابني السادس، أخذته إلى محل للُّعب لأشتري له هدية. ولاحظت أنه يبحث عن مدرعات ودبابات وطائرات مقاتلة، ويريدها كبيرة. وحين لم يجد ما يبحث عنه، طلب مني أن نذهب إلى محل آخر، أو أن ننتظر حتى يجد ما يريد.

وفي يوم عيد ميلاد ابني، وصل من القرية عمي الفلاح العظيم عبد العظيم، الذي أناديه «العم عبد العظيم». ولم تكن زيارة عادية؛ فقد جاء بطلب خاص: أراد أن أساعده على شراء جرار. وكان ذلك مفاجئًا، لأن أرضه صغيرة، ولم أكن أعرف أنه يحتاج إلى جرار. وشرح لي أن الفلاح لم يعد يعتمد على يديه، ولهذا يحتاج إلى الجرار وإن كانت أرضه صغيرة. والمشكلة أنه سيدفع ثمن الجرار بالتقسيط، ويحتاج إليَّ ضامنًا. وطلبت مني زوجتي ألا أورط نفسي، فربما عجز العم عبد العظيم عن سداد الأقساط في مواعيدها، وكانت تخشى أن أضطر أنا إلى الدفع، وذكَّرتني بأن دخلنا محدود. فقررت أن أناقش الأمر مع العم عبد العظيم لأسمع وجهة نظره.

سألته: «لماذا تحتاج إلى هذا الجرار الغالي، وأنت لا تملك من المال ما يكفي لشرائه؟»

قال: «اشتريت بضعة أفدنة على حدود القرية، في منطقة قريبة من الصحراء اسمها «تل الرمل». أريد أن أستصلحها وأزرعها، ولا أستطيع ذلك من دون الجرار».

«وهل تستطيع حقًّا أن تستصلح «تل الرمل»؟»

«أظن أن ذلك ممكن إذا اشتريت الجرار».

«وهل تدربت على قيادة الجرار واستخدامه؟»

«لا، ليس بعد. لكني أظن أن ذلك سهل».

وبعد تفكير، قررت أن أساعد عمي على شراء الجرار. فوقَّعت الأوراق اللازمة، وفرح هو فرحًا شديدًا.

وفي المساء خرجت مع ابني والعم عبد العظيم لنشتري هدية عيد ميلاد ابني. ودُهش العم عبد العظيم من كثرة اللعب المحشوة في المحل. وانتظر ليرى ما سيختاره ابني، لكنه لم يكن راضيًا عن اختياره.

وسأل عمي: «لماذا يحتاج إلى بندقية أو مدفع؟ ولماذا عربة مدرعة؟ وما فائدة هذه الطائرات المقاتلة العملاقة؟»

فأجبته: «أطفالنا يحبونها».

فسألني: «ولماذا لا تشتري له بدلًا منها زهرة عباد شمس، أو حتى سنبلة؟»

فضحكت. وضحك ابني أيضًا وسأل عمي:

«وهل يلعب أحد بزهرة عباد الشمس أو بسنبلة؟»

قال العم عبد العظيم: «نعم، أنا أزرع القمح في حقلي. وحين ألعب مع ابني أقطف سنبلة قمح، ونعد حباتها معًا. وقد فرح ابني كثيرًا لأن السنبلة كانت فيها مائة حبة، وازداد فرحه حين عرف أن الحبة الواحدة إذا زُرعت تُنبت سبع سنابل، في كل سنبلة ما يصل إلى مائة حبة. كانت لعبة طريفة استمتع بها ابني كثيرًا».

قلت: «هذه اللعبة تسلِّي أطفال القرية، أما هنا في المدينة فالأطفال يلعبون بلعب أخرى».

فسأل عمي: «وهل يصنعون لعبًا محشوة على شكل جرار؟»

فهززت رأسي مبتسمًا. فأضاف:

«إذن اشترها له، كما ساعدتني في شراء جراري».

وضحك ابني وسأل البائع:

«لماذا لا يصنعون جرارات محشوة؟»

ودُهش البائع، فلم يخطر بباله أن تكون إحدى اللعب المحشوة على شكل جرار. كان العم عبد العظيم هو الذي ألهمنا الفكرة. ثم أضاف العم:

«يجب أن يفكروا في لعب من هذا النوع، وأن يكفُّوا عن صناعة لعب الحرب».

فقلت: «نحن نحتاج إلى عتاد الحرب لنحمي ممتلكاتنا».

فقال العم عبد العظيم: «أتفق معك. وأنا نفسي اشتريت بندقية ورخَّصتها لأحمي الجرار، الذي سأغزو به الصحراء».

واشترى ابني طائرة، وكان سعيدًا جدًّا. وقال لنا عمي إنه سعيد جدًّا بجراره الجديد.

ومضى الوقت.

ومع أن الجرار كان غاليًا، سدد العم عبد العظيم الأقساط في مواعيدها. لم يتأخر مرة واحدة، وسعدت بأني وقَّعت الأوراق التي ساعدته على شرائه. وكبر ابني، وبدأ يسأل عن هذا الجرار: هل حقق الغرض منه؟ وهل يأتي بدخل يغطي ثمنه؟ وهل انتفع به العم عبد العظيم حقًّا؟

فقررت أن آخذ ابني في زيارة إلى القرية، مكافأة له على نجاحه في امتحاناته، وليرى كيف استخدم العم عبد العظيم الجرار استخدامًا مثمرًا في المنطقة المعروفة باسم «تل الرمل». وحين وصلنا استقبلنا العم عبد العظيم بحفاوة بالغة، وأخذ ابني إلى الجراج ليريه الجرار الذي طالما سمع عنه. ولم يكن ابني يتوقع أن يكون بهذه الضخامة؛ فقد وقف إلى جوار عجلات أعلى من قامته. وفرح فرحًا شديدًا حين قال له العم عبد العظيم:

«غدًا آخذك في جولة عليه».

«كيف؟»

«نعم، إنه يشبه سيارتكم».

«حقًّا؟»

«سترى. سنركبه إلى «التل الأخضر»».

وسألت العم عبد العظيم: «وأين هذا التل الأخضر؟»

فضحك وقال: «إنه على حدود الصحراء. لقد غزوته بهذا الجرار. ولن أنسى ما فعله أبوك من أجلي حين صار ضامني؛ فلولاه ما استطعت شراءه».

فابتسمت وقلت: «لم يكلفني الأمر إلا توقيعًا».

فقال: «التوقيع على الأوراق مسؤولية!»

وفي اليوم التالي استيقظنا في الصباح الباكر جدًّا. فالعم عبد العظيم يستيقظ قبل الشروق كل يوم، وأنا مثله أذهب إلى عملي مبكرًا، وابني أيضًا يستيقظ مبكرًا ليذهب إلى المدرسة. ذهبنا إلى الجراج، وأدار العم عبد العظيم الجرار، وصعدنا إليه. كانت هذه أول مرة أركب فيها جرارًا، واستمتعت بالتجربة، واستمتع بها ابني. لقد قدت مدرعات ودبابات كثيرة، لكن هذا كان مختلفًا. ورحنا نتطلع حولنا ونستمتع بنضارة الحقول والنسيم العليل. وكان العم عبد العظيم يقود الجرار، وبدا واضحًا أنه أتقن قيادته. وراح يحدثنا عنه بحب:

«ما كان لنا أن نعتمد على أيدينا في زراعة هذه الحقول. والآن، هل تستطيع أن تدافع عن نفسك من دون سلاح؟ لقد ساعدني هذا الجرار، وما كنت لأنجح من دونه».

فضحك ابني وقال: «لكن يبدو أن جرارك قد شاخ؟»

فرد العم عبد العظيم مازحًا: «ربما، لكن روحه شابة، وما زال نافعًا معطاء».

فقلت: «لكنه ككل شيء آخر، عمره قصير».

ولم يعلِّق العم عبد العظيم. كان واضحًا أنه ما زال سعيدًا بجراره الضخم القوي، وأن ملاحظتي المتشائمة لم تعجبه. وبدأ يبطئ حين اقتربنا من منطقة خضراء، ثم توقف فجأة وقال:

«هذا المكان كان اسمه «تل الرمل»».

فسأل ابني: «وأين الرمل؟ لا أراه».

فشرح العم عبد العظيم: «إنه وراء هذه الحقول. لقد استصلحنا هذه المنطقة. كان على الإنجليز والفرنسيين أن يغزوا هذه الصحارى بدلًا من أن يغزوا بلادنا، ولكانت الإنسانية قد انتفعت أكثر بكثير، ولاستطاعوا أن يقهروا المجاعة، التي ما زالت منتشرة حتى الآن في أنحاء مختلفة من العالم».

وأذهلني ما رأيت: كان كل شيء أخضر. وفتح كلام العم عبد العظيم عينيَّ. ورحت أنا وابني نسأله أسئلة كثيرة عن الطريقة التي نجح بها. فقال لنا إنه اشترى الجرار في الوقت المناسب، واستطاع أن يسدد الأقساط كلها في مواعيدها، وإن دخله زاد زيادة كبيرة، ولن يعاني الفقر بعد اليوم. وقال: «لقد غزوت الصحراء وانتصرت عليها».

كان ذلك مفاجأة كبيرة لي ولابني؛ فلم نكن نتوقع أن نرى كل هذا الجمال، ولا أن نشهد التغيير الذي حدث بفضل الجرار.

وغادرنا الحقول وعدنا إلى القرية. كانت زيارة ممتعة.

وبعد بضعة أسابيع جاء العم عبد العظيم يزورنا في البيت، ولم يطل به الوقت حتى شرح سبب زيارته:

«نعم، مثل كل شيء في الحياة، عمره قصير! لا بد أن أشتري جرارًا جديدًا!»

فصاح ابني: «هل جئت لتطلب من أبي أن يوقِّع لك أوراق الضمان؟ لن يتردد هذه المرة».

فضحك العم عبد العظيم وقال: «لا، لا، لست في حاجة إلى توقيعه هذه المرة. الأرض التي استصلحتها هي الضمان. بل لقد ساعدت كثيرين من أقاربي وأصدقائي على شراء جرارات. إن سمعتي طيبة».

فعرضت على عمي على الفور أن أساعده في شراء أي عدد من الجرارات.

فقال: «لا، أحتاج إلى جرار واحد فقط، وأستطيع الآن أن أدفع ثمنه».

وهنا صاح ابني: «حقًّا؟ هل صرت غنيًّا يا عم عبد العظيم؟»

فضحك العم عبد العظيم وقال: «في الحقيقة سأشتري جرارين: جرارًا حديثًا لي، وجرارًا لعبة لك!»

«وهل صنعوا جرارًا لعبة؟»

«نعم، لا بد أنهم صنعوه».

«وماذا عن جرارك القديم؟ هل ستبيعه؟»

فقال عمي على الفور: «لا، لن أبيعه!»

فسألته في دهشة: «لماذا؟ ماذا ستفعل به إذا كان قد تقادم ولم يعد نافعًا؟»

فنظر إليَّ عمي وفي عينيه عتاب:

«كيف تقول هذا عن جراري العظيم؟ لن أتخلص منه!»

وسأله ابني: «وماذا ستفعل به؟»

«كان هذا أول جرار في قريتنا، وأول مرة نستخدم فيها آلة في زراعة الأرض. وفي وسط حقلي صخرة ضخمة لم نستطع أن نزيلها. سأضع الجرار فوقها، تكريمًا له على ما أعانني على تحقيقه».

وفاجأتني الفكرة، لكن ابني صفَّق لها، واحتضن العم عبد العظيم ودموع الفرح في عينيه، فقال العم: «سيكون رمزًا لغزو الصحراء، وتذكرة بأن الإنسان يجب ألا يحارب إخوته. إن قريتي لا تهتم بالماضي وحده، بل بالمستقبل أيضًا».

وبعد بضعة أسابيع جاء العم عبد العظيم يزورنا مرة أخرى. وظننا أنها زيارة ودية، لكنه فاجأنا مرة أخرى بقوله:

«جئت لأشتري جرارًا جديدًا».

«لماذا؟ جرارك ما زال جديدًا!»

«لا، إنه ليس حديثًا بما يكفي. قرأت عن جرار عالي التقنية صُنع حديثًا، فيه مزايا كثيرة جدًّا؛ يحرث الأرض كالجرار القديم، لكن فيه كمبيوتر يمكِّنه من حصاد المحصول، ويمكن أن يُستخدم في أكثر من ذلك».

ولاحظ العم عبد العظيم نظرة الدهشة في عيوننا؛ فلم نكن نتوقع أن يستخدم كلمات مثل «كمبيوتر» و«التقنية العالية». فسألنا:

«لماذا تندهشون؟ ألا تعرفون أن من لا يتعلم استخدام الكمبيوتر سيصبح قريبًا أميًّا؟ لا بد أن أكون رجلًا عصريًّا».

ولم أشأ أن أقاطعه؛ كانت كلماته ملهمة، فسكتُّ لأتيح له أن يقول المزيد: «في الماضي كانت النكتة أننا اشترينا الترام، وهو ملك عام، أما الآن فنحن نؤمن بالتخصص والتحديث». فضحكنا.

لقد أبدع العم عبد العظيم في إعادة رواية هذه النكتة: فبدلًا من الفلاح الساذج الذي خُدع فاشترى الترام، صار الفلاح يملك جرارًا ويؤمن بالتخصص والتحديث.

وسألته كيف عرف بأمر الجرار الذي فيه كمبيوتر. فقال في فخر إنه شاهد برنامجًا عن العلوم والتكنولوجيا في التليفزيون، وإنه لا يضيع وقته في مشاهدة الأفلام أو برامج التسلية، بل يهتم أكثر بالاستماع إلى الأخبار والبرامج الثقافية.

واحتضنت عمي عبد العظيم هذه المرة وقلت له:

«أنت فلاح حكيم، الحفيد الحقيقي للفلاح المصري القديم العظيم. مبارك عليك الجرار الجديد، ويسعدني أن أساعدك بأي طريقة».