من كتاباته

الطلمبة

The Water Pump · 2005

حكاية قصيرة من سلسلة «يحكي أن» التي أصدرتها دار المعارف، عن العم عبد العظيم، الفلاح الذي يرى الناس شركاءه في ماء طلمبته. في بضع صفحات مصورة يضع عبد التواب يوسف أمام الصغار معنى المشاركة وطهارة القلب، ثم يترك السؤال الأخير لهم: أيّ قلب كان يقصد؟ وقد ترجمتها ابنته الدكتورة لبنى يوسف إلى الإنجليزية.

العمُّ عبدُ العظيم، فلاحٌ عظيمٌ .. صديقٌ للفأس، والجرّار، والحقل، تُشرقُ الشمسُ وتغربُ، وهو بين زرعه، يحنو عليه ويحبُّه كابنه ..

وهو فى البيت لا يحسُّ بمشكلة انقطاع المياه عن الصنبور، إذ ليس عنده ماءٌ يجرى فى الأنابيب، بل عنده (طلمبة) تسحبُ الماءَ من على بُعد قد يصلُ إلى عشرين مترًا تحت الأرض، وهو فخورٌ بها، يعتزُّ بمائها كلَّ الاعتزاز .. يراه أعذبَ من ماء النيل نفسه. تصوَّروا !! وكثيرون من أهل قريتى يشاركون العمَّ عبدَ العظيم رأيَه هذا. بل يضيفون :

إنَّ أجملَ (شاى) تشربه إذا كان ماؤه من (طلمبة) العمِّ عبدِ العظيم !. ماؤها يَروى (ويبرى)! وهم يعنون بذلك أنه يمرُّ بالمرء فيُطفئ عطشَ الحرّان ويبلُّ ظمأه، خاصةً فى أيام الصيف، إذ يخرجُ من باطن الأرض باردًا مثلَّجًا!

لهذا يبعثُ أهلُ القرية ببناتهم وأولادهم ومعهم الأوانى يسعون إلى طلمبة العمِّ عبدِ العظيم يجلبون منها الماء، وعندها نجدُ زحامًا طيلةَ النهار، منذ أوَّل خيوط النور، وبعدَ أن تغربَ الشمس.

والأطفالُ عندها يتبادلون الأخبارَ والأحاديثَ الحلوة؛ لأنهم كثيرًا ما يبقون عندها وقتًا قد يطول ... وهم أحيانًا ينسون أنفسهم، ويستمتعون بالجلسة، وتقلقُ الأمهاتُ فيبعثنَ بمن يعودُ بالصغار وأوانيهم إلى بيوتهم.

والعمُّ عبدُ العظيم سعيدٌ كلَّ السعادة، إذ وهبه اللهُ من باطن الأرض هذا الماءَ الزلال، وهو يتحدثُ عن الطلمبة كثيرًا من باب «وأمّا بنعمة ربّك فحدّث»، ولم يكن يمنعُ أحدًا من الحصول على الماء، بل إنه أحيانًا كان يجدُ أطفالًا صغارًا غيرَ قادرين على تحريك يد الطلمبة، لأنها تعلو على قامتهم، أو لصعوبة إدارتها فينهضُ بنفسه، لكى يعينَ الأطفال، وكثيرًا ما يتبسَّطُ فى الحديث معهم ويتناقلون عنه فى القرية قولَه :

الناسُ شركائى فى هذه الطلمبة .. الماءُ ملكٌ للجميع .. ملكٌ لبلدتنا كلِّها .. لا آخذه لنفسى وحدى لمجرد أنى أملكُ الطلمبة. خيرُها يجبُ أن يعمَّ على الجميع.

وكثيرًا ما تعطبُ الطلمبة، لأنَّ الأيادى الكثيرة تتوالى عليها، لكنه لا يبخلُ عليها بالإصلاح، وليس هناك ما يؤلمه أكثرَ من أن يردَّ عنها طفلٌ أو طفلةٌ جاءا ليحملا منها الماء .. وكان - دائمًا - إذا سافرَ بعيدًا عن القرية يوصى زوجتَه وأولادَه ويقولُ لهم :

لا تمنعوا أحدًا من الحصول على الماء .. احذروا.

وسافرَ العمُّ عبدُ العظيم مرةً بعيدًا عن القرية أسبوعًا كاملًا .. وعادَ إليها. ومعَ الصباح .. يومَ رجوعه امتدَّت يدُه تُديرُ الطلمبة.

وإذا بها لا تخرجُ الماءَ العذبَ الذى تعوَّده منها، أذهله أن تخرجَ معه طينًا ورملًا .. وهتفَ لزوجته يسألها:

- ماذا حدثَ للطلمبة؟

ردَّت عليه: لا شىء .. إننا .. حق.. لم ندرها منذ سافرت!

صرخ: ماذا ؟! حرمتم الناسَ من مائها، وها أنتم أولًا تُحرمون منه!! انكبَّ العمُّ عبدُ العظيم على الطلمبة يفكُّ أجزاءَها .. إنه يعرفها قطعةً قطعةً .. وأرسلَ يستدعى إليه الميكانيكى فهو غيرُ قادرٍ على أن ينتظره.

وما إن تطلَّع الرجلُ إليها، ورأى الماءَ الذى أخرجته حتى قال:

يجبُ أن نسحبَ الماسورة، وندقَّها من جديد ..

كانَ معنى هذا أن تتوقفَ الطلمبةُ عن العمل أيامًا، كما أنها سوف تتكلفُ الكثير.. ولكنَّ العمَّ عبدَ العظيم راحَ ينظفُ (قلب) الطلمبة. كانت أجزاءٌ منه قد اسودَّت وعلاها الصدأ وخافَ من احتمال أن يسكنها ثعبان. ولم يدعها من يده إلا بعدَ أن رآها لامعةً تبرقُ كالفضة ثم أعادَ تركيبَ قطعها من جديد وقلبُه يحدثه بأنَّ شيئًا ما سوف يحدث .. وكانَ الميكانيكى يرقبُه فى اهتمام.

تجمَّعَ الأطفالُ من حوله يحملون أوانيهم لكى تمتلئَ بالماء. وعندما وجدوها مفكَّكةَ الأجزاء وقفوا يتطلعون فى لهفة ويدعون اللهَ سرًّا، ورفضوا أن يتحركوا من أماكنهم إلا بعدَ أن يطمئنوا على طلمبة العمِّ عبدِ العظيم.

أُعيدَ كلُّ شىء إلى مكانه، وتمَّ تركيبُ يد الطلمبة، ونظرت طفلةٌ صغيرةٌ إلى العمِّ عبدِ العظيم بعينين متوسلتين، تطلبُ شيئًا أدركه الرجلُ على الفور واستجابَ له، الصغيرةُ تريدُ أن يكونَ لها شرفُ إدارة الطلمبة بعدَ أن تمَّ إصلاحها.

وامتدَّت يدُ الصغيرة، وأطلَّت من عينيها نظرةٌ قلقةٌ، ثم هتفت ..

(بسم الله الرحمن الرحيم)

وتدفقَ الماءُ من الطلمبة .. عذبًا .. طاهرًا .. نظيفًا ..

وهتفَ الأطفالُ من حوله بفرح.. الله أكبر..

ومضى العمُّ عبدُ العظيم، وهو يقولُ:

القلبُ يجبُ أن يكونَ أبيض.

هل كانَ يقصدُ قلبَ الطلمبة ؟ أم قلبَ زوجته وأولاده ؟! لا أدرى ويضيفُ: قلبُ الطلمبة يمكنُ غسله بالبنزين، كيفَ نغسلُ قلبَ البشر ؟!

والطلمبة .. إلى اليوم .. قائمةٌ فى صحن دار العمِّ عبدِ العظيم .. طاهرةُ القلب عذبةُ الماء وافرةُ العطاء .. تروى العطشى والظمآنين، ويحلو صنعُ الشاى وطهو الطعام من مائها !